الأربعاء، 9 نوفمبر، 2011

سيدة الدوم


كنا صغار نضيق بزحام شوارع مدينتنا وخوف أمى وأصوات العربات المسرعة التى تشبه الحياة فى شمالنا العزيز ,كانت بهجتنا أن نقضى شهر فى بيت جدتى لأبى باأرض الجنوب, ننعم فيه بالمساحات الفضفاضة والسماء الجلية دون غيوم أو غبار يعكر صفوها,الحرارة المرتفعة تصهرنا فى سمار المشهد البديع فنتلون بلون الجنوب وننطلق حفاة لا نعبأ بحرارة الأرض ,نصنع فرحتنا خالصة من بكارة الحياة هناك

رأيتها لاول مرة حينما صحبتنا جدتى أنا وأبناء عمى الى مشينا مسافة طويلة ,ابتعدنا عن بلدتنا الصغيرة , عبر طريق ترابى باتجاه الجبل يمر بساقية قديمة لا تعمل و اراضى شاسعة على جانبيه يغلب عليها اللون الأحمر ,ذلك ان نبات الكركديه يزرع بوفرة فى اراض بلدتنا وفى موسم الحصاد تقام له الحفلات وتتلون الأيادى والجبهات باللون الاحمر المميز له, تركنا أرض الكركدية الحمراء ووصلنا الى أرض ترابية نظيفة, بها بيت وحيد قائم فى العراء بنوافذه الخشبية الخضراء والمحيط الواسع المزركش بشجر الدوم ,ظلال الشجر على الارض فى وقت تحمر الشمس عن عينها فتحرق السماء وتشتد الحرارة ,الا فى بيت العمة نجية , ما أن تقترب منه حتى تشعر بحنو السماء عليه بنسائم رقيقة تبدد حرارة الطريق تجلس العمة فى مقدمة المنزل حيث تستقبل القادمين لشراء الدوم ,تتحرك فى ساحته المحاطة بالاشجار ,يمرح حولها كلب ذو لونين ابيض واسود نعرف انه كلب عجيب ياكل ثمار الفاكهة ويحب العنب والبطيخ ,يأكل الجرجير ولا تستهويه العظام الا للعب بها والجرى خلفها بعد القائها ,بجوار البيت برج للحمام تنطلق منه واليه عبر فتحات دقيقة تكفى مرورها وتسمع منه هذا الصوت المميز للحمام حين يأمن فى عشه
رغم ان زيارتى للعمة نجية تكررت فى اعوام متتالية الا انى اذكرها على حال واحد ولا يمككنى تخيل انها كانت يوما فتاة صغيرة تحلم وتفرح وتحزن وتبكى كسائر البشر,هى بالنسبة لى تلك السيدة المفعمة بالقوة والرحمة والغرائب,لم تتغير ملامحها او تتغضن جبهتها اكثر مع مرور الاعوام بل ظلت عينها قوية حين تنظر الينا نحن الاطفال ثم نحن المراهقين وظلت يدها المليئة بالعروق النافرة على حالها وجهها ذو الملامح الحادة التى تهابها فى اول الامر ثم لا تلبث ان تحبها حين تكتشف فى صوتها عذوبة تأتيك من عالم اخر, تربت على روحك برفق يعى تمام مكان الالم,كعادة اهل الجنوب ترتدى العمة نجية الاسود من الملابس, لم تكن ملابسها كالعباءة بل تصنعنها بما يلائم منطقة الصدر وتضيق على الوسط ثم تتسع مرة اخرى لتصل الى اعلى كعبيها ,اعرف انها تحب اللون الاخضر هذا انه اللون الوحيد الذى تزين به بيتها , تضع على راسها منديل اخضر طرزت اطرافة بخرز صغير, فوقه الطرحة السوداء الشفافة التى تظهر قرطها الذهبى ذو الحجر الاخضر ,ويزين ذقنها هذا الوشم الاخضر المميز لنساء الجنوب, سألتها يوما عن قرطها الذهبى ذو الخرزة الخضراء قالت انه ارث منذ القدم كان لجدتها ام ابيها ثم انتقل اليها ويوما ما يذهب لابنتها ,تقول انه تميمة قديمة لا يعرف سرها ,لكن يدرك اثرها

كنا نذهب مع جدتى ,لنحصل على الدوم الذى نحمله معنا الى الشمال ونستظل برفقتها, تحكى لنا عن شجر الدوم وعن بيتها الذى ورثته عن ابيها ولم تستطع ان تتركه ,تخبرنا ان الاشجار تشعر وتحب وان اشجار الدوم خاصتها ثمارها مباركة,هم ابناءها ترعاهم وتحادثهم يجيدون الاستماع لها وحين تمرض يمرضون معها وتبهت اوراقهم, هى تعرف انهم رفقتها الباقية,بعدما رحل زوجها فى صحبة الموت وعاد الموت واصطحب اباها, لم يبق لها الا الارض والاشجار ابنتها تزوجت وانجبت ,تأتى بين الحين والحين لرؤيتها ولاقناعها بالعودة الى البلدة معها وترك بيت جدها الذى ينزوى فى حضن الجبل بعيدا عن الحياة لكنها فى كل مرة تهبها حبات الدوم المباركة ودعائها والرفض

كنت بجوارها حين حضر قريب لنا يحمل صديقى حسن الذى كان يلعب عند مجرى الماء ,يصنع عرائس الطين وطواحين الهواء من البوص الذى نستثمر كل اجزاءه لصنع لعبتنا, نقشره لنصنع الواح الطواحين ونقطع مابداخله ونغرزه فى اطراف الالواح نلصقها على قاعدة من طين الارض اشياء بسيطة لكنها تمثل لنا -نحن اهل الالعاب البلاستيكية- قمة السحر والمتعة
حسن كان يصنع لعبته حينما هاجمه ثعبان من نوع الطريشة,لدغه اسفل ركبته اليمنى , الطريشة ثعابين صغيرة الحجم لكنها سامة, يهابها اهل بلدتنا ويحذرونا من اللعب بجوار الشقوق حتى لا نلدغ بعقرب سامة او ثعبان قاتل ,من حسن طالعه ان والده كان قريب منه سمع صراخه فحمله سريعا الى العمة ,كان يتصبب عرقا ويبكى , يربط والده اعلى مكان لدغة الثعبان بقوة كبيرة, لاحظت تغيير ملامح العمة نجية وفى ثوان كانت تحمل موس حاد نظيف اخرجته من ورقته , بااصابع تعرف تماما ماتفعل قامت بعمل عدة فتحات عرفت فيما بعد ان اسمها" التشريط" وقامت بسرعة بامتصاص الدماء وبصقها على الارض كررت هذا مرات كثيرة متتابعة حتى تفصد العرق على جبينها وشعرت بها وقد هدأت , احضرت زجاجة افرغت بعض محتوياتها فى فم حسن وهى تلومه بلطف عن لعبه بجوار الشقوق الخطرة
عرفت يومها ان العمة نجية ليست فقط سيدة الدوم فى بلدتنا , هم يعتقدون فى بركتها ,يذهبون اليها بصغارهم لتقرأ لهم بعض ايات وتحلق حولهم بااصابعها وهى تقرأ كانها تحيطهم برعاية الذكر ,اخبرتنى جدتى انها ذهبت بى وانا مازلت صغيرة واحاطتنى العمة نجية بما يحفظنى , بعدها بعدة ايام تصادف ان وجدو عقرب تقف بجوارى لكنها لا تقترب منى فأزدادو يقينا ان بركة العمة نجية تحيط بهم

فى هذا العام البعيد الذى امطرت فيه السماء كثيرا ,حتى اعتقدنا انها لن تتوقف ابدا,تركت العمة نجية بيتها فى الجبل مرغمة ,نزلت الى بلدتنا , التف حولها الكبار والصغار يسالونها الدعاء عل الامطار تتوقف, قبل ان تتحول الى سيول, تأتى على الاخضر وتهدم البيوت التى صنع معظمها من الطوب اللبن ,تخبرهم العمة ان السماء لا تحمل الا الخير ,تلتقط الامطار فى كفها وتمسح بها وجهها وتشم الهواء,تخبر الجميع ان يتماسكو ان الماء قادم ,كنا نحن الزائرين اهل الشمال نحب الامطار ونجد فيها قرابة للبحر الذى نعشقه , فكان ابتهاجنا بغزارة الماء, عكس اهل الجنوب الذين بدأو فى بناء سدود صغيره ترابية امام ابواب المنازل لمحاولة حجز المياة بعيدا عن المنازل ,وكلما اقترب الليل ازداد الجميع خوفا وارتباكا
فاقت السيول هذا العام اسوء التوقعات ,بداية من صوت الماء الهادر الذى القى الرعب فى قلوبنا جميعا الى محاولاتنا لململة شتاتنا ,كانت لحظة هرج لم اشعر الا والماء يحيطنا جميعا ثم يرتفع فى سرعة كبيرة حتى اقتر ب ان يغرقنا تماما فكان هروبنا الى اعلى
ابتلت ثيابنا واصابتنا لحظة الخطر بذعر اذكر انى التفت ابحث عن العمة نجية وسط من صعدو لاعلى المنزل ,لم اجدها , اخبرتنى جدتى انها ربما ذهبت الى بيت ابنتها القريب ,قضينا الليل بملابس مبتلة , لم نشعر بالبرد رغم انخفاض درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء تماما,الشعور بالخطر امدنا بحرارة وثبات ,كنا نتوقع بين الحين والاخر ان يغرق البيت فى الماء واذكر ان اهل البلدة كانو ينادون من بعيد للاطمئنان وكلما سمعنا صوت سقوط منزل فى الماء,ازداد عمل الادرينالين وارتفعت ضربات قلوبنا واصواتنا لمعاودة الاطمئنان على بعضنا البعض ,اذكر انى ناديت كثيرا فى هذا المساء المظلم على العمة نجية ,شعرت ان صوتها يجيب لكنى لم اسمعه
,استمر حصار الماء قرابة اليومين ,حتى بدأ منسوب الماء فى النخفاض قليلا وابتلعت الارض بعضه وعبر الماء انتقلنا الى المعهد الدينى بفصوله الواسعة ذلك انه المكان الوحيد فى البلدة الذى بنى على مرتفع فلم تصل الماء الا لبعضه ولانه الاكثر ثباتا ,انتقل اهل البلد جميعهم الى هناك,بحثت عن العمة نجية بين كل الوجوه حتى التقيت ابنتها التى سألتنى بدورها ان كنت قد رأيتها ,بدأ الخبر بين الجميع ينتشر العمة نجية ليست هنا

كانت اخر رحلة لى فى الجنوب,توفيت جدتى لأبى بنهاية العام ولم تعد المسافات قريبة كما كانت ,العمة نجية لم تعد يومها الى بيتها
لم يكن هذا ممكنا ,ولم تذهب الى ابنتها ,كما اننا نعرف انها لم تغرق لاننا لم نجد لجثتها اثراختفت.
يقولون انهم رأوها فى الحج تطوف ببيت الله فى ثياب بيضاء وتضع غطاء الرأس الاخضر ,يقسمون انها هناك
يقولون عن شجر الدوم الذى لم يطرح ثماره منذ اختفت ,ان ثماره المباركة رافقتها الى الارض التى ذهبت اليها
تاتينى فى الحلم كلما ازدادت زخم الحياة وألمها تربت على روحى المنهكة بفعل اشياء كثيرة,تهدينى فى الحلم قرطها ذو الخرزة الخضراء والدوم والدعاء.